مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
256
شرح فصوص الحكم
فلأجل كون الأمر على ما حققناه من عموم رحمته تعالى ( قلنا إن رحمة اللّه وسعت كل شيء وجودا ) بالنسبة إلى الأعيان الخارجية ( وحكما ) بالنسبة إلى الأعيان الثابتة في العلم إذ لا يحكم عليها ظاهرا بالوجود فكانت الأعيان الخارجية من رحمة اللّه وجودا والأعيان الثابتة من رحمة اللّه حكما أو معناه لا حكم إلا بها كما لا وجود إلا بها كما سنبينه عن قريب بقوله فلها الحكم والحكم ليس بموجود في الخارج ( والأسماء الإلهية من الأشياء ) فتدخل تحت الرحمة ( وهي ترجع إلى عين واحدة ) وهي العين الرحمانية ( فأوّل ما وسعت رحمة اللّه شيئية تلك العين الموجدة ) في الخارج ( للرحمة ) على غائية للإيجاد ( بالرحمة ) أي بسبب الرحمة وهي الحقيقة المحمدية التي هي عين الرحمة أوجدها اللّه بالرحمة رحمة للعالمين أي ليوجد العالمين من وجوده قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] ، وقال تعالى خلقتك من نوري وخلقت الأشياء من نورك فالرحمة شيء ( فأوّل شيء وسعته الرحمة نفسها ) أي نفس الرحمة ( ثم الشيئية المشار إليها ) بقوله شيئية تلك العين الموجودة والمراد بالمشار إليها وصف جيء به لبيان معنى الشيئية فالرحمة من حيث نفسها صفة ذاتية للحق ومن حيث شيئيتها حقيقة محمدية مظهر للاسم الرحمن شيئية الشيء ما به يتعين الشيء ويمتاز عن غيره وهي من لوازم الوجود ( ثم شيئية كل موجود يوجد إلى ما لا يتناهى دنيا وآخرة عرضا وجوهرا ومركبا وبسيطا ) وقوله جوهرا على لسان الظاهر إذ العالم كله عرض عند أهل الحقيقة ( ولا يعتبر فيها ) أي في الرحمة ( حصول غرض ولا ملاءمة طبع بل الملائم وغير الملائم كله وسعته الرحمة الإلهية وجودا وقد ذكرنا في الفتوحات المكّي إن الأثر لا يكون إلا للمعدوم ) في الخارج مع كونه موجودا في الباطن ( لا للموجود ) الخارجي ( وإن كان ) الأثر ( للموجود فحكم المعدوم ) فالرحمة وإن كانت لا عين لها في الخارج لكن لها أثر في كل ما له وجود في الخارج ( وهو ) أي كون الأثر للمعدوم لا للموجود ( علم غريب ومسألة نادرة ) إشارة إلى أن هذه المسألة لا تظهر بتمامها إلا منه وإن علمها غيره من أهل الحقيقة قوله ( ولا يعلم تحقيقها إلا أصحاب الأوهام فلذلك ) العلم حاصل ( بالذوق عندهم ) إشارة إلى أن أصحاب الأوهام نادرا لوقوع وإنها غريب بين الناس لعدم المجانسة والمماثلة بهم فقوله فذلك بالذوق عندهم أي أصحاب الأوهام يذوقون إن الأمور المعدومة تؤثر في وجودهم فمن لا وهم له لا ذوق له إن الأثر للمعدوم لا للموجود إذ الأمور المعدومة المتوهمة لا تدرك إلا بالوهم ( وأما من لا يؤثر الوهم فيه ) أي من لا يتوهم أمورا معدومة ولا يتأثر بإدراكها ( فهو بعيد عن ) علم ( هذه المسألة ) فإذا كان الأمر كذلك ( شعر فرحمة اللّه في الأكوان سارية ) وجودا : ( وفي الذوات وفي الأعيان جارية )